الشيخ محمد النهاوندي
553
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
قال أبو جعفر عليه السّلام : « وكان آدم صادقا » قال : « لم يذكر ، ولم يجحد ، فمن ذلك اليوم أمر اللّه تبارك وتعالى العباد أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا وتعاملوا إلى أجل ، لأجل نسيانه « 1 » وجحوده [ ما ] على نفسه » انتهى « 2 » . أقول : مع وضوح مصلحة كتابة الدّين على كلّ ذي مسكة « 3 » ، من غير حاجة إلى الاطّلاع على وقوع هذه القضيّة من آدم ، ففي تلك الرواية وجوه من الإشكال : أحدها : دلالتها على نسيان النبيّ مع ثبوت عصمته منه عقلا . وثانيها : جحود آدم ما أخبر الملك المعصوم بثبوته ، مع أنّه موجب للقطع به . وثالثها : أنّ آدم كيف بذل سنين من عمره لداود بسبب اطّلاعه على قصر عمره ، ولم يبذل يوما منه ليحيى وعيسى ، مع أنّهما أفضل وأقصر عمرا من داود . والحاصل : أنّ الرواية من المشكلات التي يجب ردّ علمها إلى الرّاسخين في العلم صلوات اللّه عليهم . ثمّ أنّه تعالى بعدما أمر بكتابة الدّين المؤجّل إجمالا ، بيّن كيفيّتها والصّفة المعتبرة فيمن يتولّاها بقوله : وَلْيَكْتُبْ كتاب الدّين بَيْنَكُمْ أيّها المتعاملون كاتِبٌ كان من كان ، ولكن لا بدّ من كون كتابه ملتبسا بِالْعَدْلِ والتّسوية بين الدّائن والمديون ، من غير ميل إلى أحدهما ، بحيث لا يزيد في مقدار الدّين والأجل ولا ينقص ولا يغيّر . وقيل : إنّ من عدل الكاتب أن لا يجمل ولا يهمل في عبارة الكتاب ، وأن يكتبه على نحو تكون صحّته متّفقا عليها بين العلماء ، حتى لا يتردّد فيها عالم . وقيل : في ذكر ( بينكم ) إشعار بأنّ للكاتب أن يكتب السّند ، مع حضور المتداينين ، ولا يكتفي بتقرير أحدهما . فإذا دعا المتعاملان كاتبا ينبغي له إجابتهما وَلا يَأْبَ كاتِبٌ من الكتّاب ، ولا يمتنع من أَنْ يَكْتُبَ كتاب الدّين كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ ومثل ما عرف بفضله تعالى من كتبة الحجج والوثائق ، من إيضاح مداليله وشرائطه ، بلا إغلاق ولا خلل .
--> ( 1 ) . في المصدر : إلى أجل مسمى لنسيان آدم . ( 2 ) . علل الشرائع : 553 / 1 . ( 3 ) . المسكة : الرأي والعقل .